علي بن محمد البغدادي الماوردي
76
أدب الدنيا والدين
فإن أهمل سياستها وأغفل رياضتها ورام أن يأخذها بالعنف يقهرها بالعسف استشاطت « 1 » نافرة « 2 » ولجت « 3 » معاندة فلم تنقد إلى طاعة ولم تنكف عن معصية . وقال سابق البربري : إذا زجرت لجوجا زدته علقا « 4 » * ولجت النفس منه في تماديها فعد عليه إذا ما نفسه جمحت « 5 » * باللين منك فإن اللين يثنيها فإذا استصعب عليه قياد نفسه ودام منه نفور قلبه مع سياستها ومعاناة رياضتها تركها ترك راحة ثم عاودها بعد الاستراحة . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن القلب يموت ويحيا ولو بعد حين » . وقال ابن مسعود : للقلوب شهوة وإقبال وفترة وإدبار فأتوها من قبل شهوتها ولا تأتوها من قبل فترتها . وقال الشاعر : وما سمى الانسان إلا لنسيه * ولا القلب إلا أنه يتقلب وما الشروط التي يتوفر بها علم الطالب وينتهي معها كمال الراغب مع ما يلاحظ به من التوفيق ويمد به من المعونة فتسعة شروط : ( الأول ) العقل الذي يدرك به حقائق الأمور ( والثاني ) الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم ( والثالث ) الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره وفهم ما علمه ( والرابع ) الشهوة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليها الملل ( والخامس ) الاكتفاء بمادة تغنيه عن كلف الطلب ( والسادس ) الفراغ الذي يكون معه
--> ( 1 ) استشاطت : التهبت غضبا . ( 2 ) نافرة : معرضة وصادة . ( 3 ) ولجت معاندة : تمادت في خصومتها وعنادها . ( 4 ) علقا : هوى ومحبة . ( 5 ) جمحت : جمح الفرس براكبه بفتحتين جماحا بالكسر ، وجموحا استعصى حتى غلبه فهو جموح بالفتح وجامح ، يستوي فيه الذكر والأنثى ، وجمح إذا غار وهو أن ينفلت فيركب رأسه فلا يثنيه شيء أ . ه - . مصباح .